فصل: الحسن بن علي

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البداية والنهاية **


 ثم دخلت سنة خمس وأربعين وأربعمائة

فيها‏:‏ تجدد الشر والقتال والحريق بين السنة والروافض، وسرى الأمر وتفاقم الحال‏.‏

وفيها‏:‏ وردت الأخبار بأن المعز الفاطمي عازم على قصد العراق‏.‏

وفيها‏:‏ نقل إلى الملك طغرلبك أن الشيخ أبا الحسن الأشعري يقول بكذا وكذا، وذكر بشيء من الأمور التي لا تليق بالدين والسنة، فأمر بلعنه، وصرح أهل نيسابور بتكفير من يقول ذلك، فضج أبو القاسم القشيري عبد الكريم بن هوازن من ذلك، وصنف رسالة في شكاية أهل السنة لما نالهم من المحنة، واستدعى السلطان جماعة من رؤس الأشاعرة منهم القشيري فسألهم عما أنهي إليه من ذلك، فأنكروا ذلك، وأن يكون الأشعري قال ذلك‏.‏

فقال السلطان‏:‏ نحن إنما لعنا من يقول هذا‏.‏‏.‏ وجرت فتنة عظيمة طويلة‏.‏

وفيها‏:‏ استولى فولا بسور الملك أبي كاليجار على شيراز، وأخرج منها أخاه أبا سعد، وفي شوال سار البساسيري إلى أكراد وأعراب أفسدوا في الأرض فقهرهم وأخذ أموالهم‏.‏

ولم يحج فيها أحد من أهل العراق‏.‏

 وفيها توفي من الأعيان‏:‏

 أحمد بن عمر بن روح

أبو الحسن النهرواني، وكان ينظر في العيار بدار الضرب، وله شعر حسن، قال‏:‏ كنت يوماً على شاطئ النهروان فسمعت رجلاً يتغنى في سفينة منحدرة يقول‏:‏

وما طلبوا سوى قتلي * فهان عليّ ما طلبوا

قال‏:‏ فاستوقفته وقلت‏:‏ أضف إليه غيره‏.‏

فقال‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/82‏)‏

على قتلي الأحبـ *ـة في التمادي، بالجفا غلبوا

وبالهجران من عيني * طيب النوم قد سلبوا

وما طلبوا سوى قتلي * فهان عليّ ما طلبوا

 إسماعيل بن علي

ابن الحسين بن محمد بن زنجويه، أبو سعيد الرازي، المعروف بالسمان، شيخ المعتزلة، سمع الحديث الكثير وكتب عن أربعة آلاف شيخ‏.‏

وكان عالماً عارفاً فاضلاً مع اعتزاله، ومن كلامه‏:‏ من لم يكتب الحديث لم يتغرغر بحلاوة الإسلام‏.‏

وكان حنفي المذهب عالماً بالخلاف والفرائض والحساب وأسماء الرجال، وقد ترجمه ابن عساكر في ‏(‏تاريخه‏)‏ فأطنب في شكره والثناء عليه‏.‏

 عمر بن الشيخ أبي طالب المكي

محمد بن علي بن عطية، سمع أباه وابن شاهين، وكان صدوقاً يكنى بأبي جعفر‏.‏

 محمد بن أحمد

ابن عثمان بن الفرج الأزهر، أبو طالب المعروف بابن السوادي، وهو أخو أبي القاسم الأزهري توفي عن نيف وثمانين سنة‏.‏

 محمد بن أبي تمام

الزينبي نقيب النقباء، قام ببغداد بعد أبيه مقامه بالنقابة‏.‏

 ثم دخلت سنة ست وأربعين وأربعمائة

فيها‏:‏ غزا السلطان طغرلبك بلاد الروم بعد أخذه بلاد أذربيجان، فغنم من بلاد الروم وسبى وعمل أشياء حسنة، ثم عاد سالماً فأقام بأذربيجان سنة‏.‏

وفيها‏:‏ أخذ قريش بن بدران الأنبار، وخطب بها وبالموصل لطغرلبك، وأخرج منها نواب البساسيري‏.‏

وفيها‏:‏ دخل البساسيري بغداد مع بني خفاجة منصرفة من الوقعة، وظهرت منه آثار النفرة للخلافة، فراسله الخليفة لتطيب نفسه، وخرج في ذي الحجة إلى الأنبار فأخذها، وكان معه دبيس بن علي بن مزيد، وخرب أماكن وحرق غيرها ثم أذن له الخليفة في الدخول إلى بيت النوبة ليخلع عليه، فجاء إلى أن حاذى بيت النوبة فقبل الأرض وانصرف إلى منزله، ولم يعبر، فقويت الوحشة‏.‏

ولم يحج أحد من أهل العراق فيها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/83‏)‏

 من الأعيان‏:‏

 الحسين بن جعفر بن محمد

ابن داود أبو عبد الله السلماسي، سمع ابن شاهين وابن حيويه والدارقطني، وكان ثقة مأموناً مشهوراً باصطناع المعروف، وفعل الخير، وافتقاد الفقراء، وكثرة الصدقة، وكان قد أريد على الشهادة فأبى ذلك، وكان له في كل شهر عشرة دنانير نفقة لأهله‏.‏

 عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن

أبو عبد الله الأصبهاني، المعروف بابن اللبان، أحد تلامذة أبي حامد الإسفرايني، ولي قضاء الكرخ، وكان يصلي بالناس التراويح، ثم يقوم بعد انصرافهم فيصلي إلى أن يطلع الفجر، وربما انقضى الشهر عنه ولم يضطجع إلى الأرض رحمه الله‏.‏

 ثم دخلت سنة سبع وأربعين وأربعمائة

فيها‏:‏ ملك طغرلبك بغداد، وهو أول ملوك السلجوقية، ملكها وبلاد العراق‏.‏

وفيها‏:‏ تأكدت الوحشة بين الخليفة والبساسيري، واشتكت الأتراك منه، وأطلق رئيس الرؤساء عبارته فيه، وذكر قبيح أفعاله، وأنه كاتب المصريين بالطاعة، وخلع ما كان عليه من طاعة العباسيين وقال الخليفة‏:‏ وليس إلا إهلاكه‏.‏

وفيها‏:‏ غلت الأسعار بنواحي الأهواز حتى بيع الكر بشيراز بألف دينار‏.‏

وفيها‏:‏ وقعت الفتنة بين السنة والرافضة على العادة، فاقتتلوا قتالاً مستمراً، ولا تمكن الدولة أن يحجزوا بين الفريقين‏.‏

وفيها‏:‏ وقعت الفتنة بين الأشاعرة والحنابلة، فقوي جانب الحنابلة قوة عظيمة، بحيث إنه كان ليس لأحد من الأشاعرة أن يشهد الجمعة ولا الجماعات‏.‏

قال الخطيب‏:‏ كان أرسلان التركي المعروف بالبساسيري قد أعظم أمره واستفحل، لعدم أقرانه من مقدمي الأتراك واستولى على البلاد وطار اسمه، وخافته أمراء العرب والعجم، ودعي له على كثير من المنابر العراقية والأهواز ونواحيها، ولم يكن للخليفة قطع ولا وصل دونه، ثم صح عند الخليفة سوء عقيدته، وشهد عنده جماعة من الأتراك أنه عازم على نهب دار الخلافة، وأنه يريد القبض على الخليفة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/84‏)‏

فعند ذلك كاتب الخليفة محمد بن ميكائيل بن سلجوق الملقب طغرلبك يستنهضه على المسير إلى العراق، فانفض أكثر من كان مع البساسيري وعادوا إلى بغداد سريعاً، ثم أجمع رأيهم على قصد دار البساسيري وهي في الجانب الغربي فأحرقوها، وهدموا أبنيتها‏.‏

ووصل السلطان طغرلبك إلى بغداد في رمضان سنة سبع وأربعين، وقد تلقاه إلى أثناء الطريق الأمراء والوزراء والحجاب، ودخل بغداد في أبهة عظيمة جداً، وخطب له بها ثم بعده للملك الرحيم، ثم قطعت خطبة الملك الرحيم، ورفع إلى القلعة معتقلاً عليه، وكان آخر ملوك بني بويه، وكانت مدة ولايتهم قريب المائة والعشر سنين، وكان ملك الملك الرحيم لبغداد ست سنين وعشرة أيام‏.‏

ونزل طغرلبك دار المملكة بعد الفراغ من عمارتها، ونزل أصحابه دور الأتراك وكان معه ثمانية أفيلة، ووقعت الفتنة بين الأتراك والعامة، ونهب الجانب الشرقي بكماله، وجرت خبطة عظيمة‏.‏

وأما البساسيري فإنه فرّ من الخليفة إلى بلاد الرحبة وكتب إلى صاحب مصر بأنه على إقامة الدعوى له بالعراق، فأرسل إليه بولاية الرحبة ونيابته بها، ليكون على أهبة الأمر الذي يريد‏.‏

وفي يوم الثلاثاء عاشر ذي القعدة قلد أبو عبد الله محمد بن علي الدامغاني قضاء القضاة، وخلع عليه به، وذلك بعد موت ابن ماكولا، ثم خلع الخليفة على الملك طغرلبك بعد دخوله بغداد بيوم، ورجع إلى داره وبين يديه الدبادب والبوقات‏.‏

وفي هذا الشهر توفي ذخيرة الدين أبو العباس محمد بن الخليفة القائم بأمر الله، وهو ولي عهد أبيه فعظمت الرزية به‏.‏

وفيها‏:‏ استولى أبو كامل علي بن محمد الصليحي الهمداني على أكثر أعمال اليمن، وخطب للفاطميين، وقطع خطبة العباسيين‏.‏

وفيها‏:‏ كثر فساد الغز ونهبوا دواب الناس حتى بيع الثور بخمسة قراريط‏.‏

وفيها‏:‏ اشتد الغلاء بمكة وعدمت الأقوات، وأرسل الله عليهم جراداً فتعوضوا به عن الطعام‏.‏

ولم يحج أحدا من أهل العراق‏.‏

 من الأعيان‏:‏

 الحسن بن علي

ابن جعفر بن علي بن محمد بن دلف بن أبي دلف العجلي قاضي القضاة، المعروف بابن ماكولا الشافعي، وقد ولي القضاء بالبصرة، ثم ولي قضاء القضاة ببغداد سنة عشرين وأربعمائة في خلافة المقتدر، وأقره ابنه القائم إلى أن مات في هذه السنة عن تسع وسبعين سنة، منها في القضاء سبع وعشرون سنة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/85‏)‏

وكان صيناً ديناً لا يقبل من أحد هدية ولا من الخليفة، وكان يذكر أنه سمع من أبي عبد الله بن منده، وله شعر حسن فمنه‏:‏

تصابى برهة من بعد شيب * فما أغنى المشيب عن التصابي

وسود عارضيه بلون خضب * فلم ينفعه تسويد الخضاب

وأبدى للأحبة كل لطف * فما زادوا سوى فرط اجتناب

سلام الله عوداً بعد بدئ * على أيام رعيان الشباب

تولى عزمه يوماً وأبقى * بقلبي حسرة ثم اكتئاب

 علي بن المحسن بن علي

ابن محمد بن أبي الفهم أبو القاسم التنوخي، قال ابن الجوزي‏:‏ وتنوخ اسم لعدة قبائل اجتمعوا بالبحرين، وتحالفوا على التناصر والتآزر، فسموا تنوخاً‏.‏

ولد بالبصرة سنة خمسة وخمسين وثلاثمائة، وسمع الحديث سنة سبعين، وقبلت شهادته عند الحكام في حداثته، وولي القضاء بالمدائن وغيرها، وكان صدوقاً محتاطاً، إلا أنه كان يميل إلى الاعتزال والرفض‏.‏

 ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وأربعمائة

في يوم الخميس لثمان بقين من المحرم عقد الخليفة على خديجة بنت أخي السلطان طغرلبك على صداق مائة ألف دينار، وحضر هذا العقد عميد الملك الكندري، وزير طغرلبك، وبقية العلويين وقاضي القضاة الدامغاني والماوردي، ورئيس الرؤساء ابن المسلمة‏.‏

فلما كان شعبان ذهب رئيس الرؤساء إلى الملك طغرلبك وقال له‏:‏ أمير المؤمنين يقول لك‏:‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 58‏]‏ وقد أمرني أن أنقل الوديعة إلى داره العزيزة‏.‏

فقال‏:‏ السمع والطاعة‏.‏

فذهبت أم الخليفة لدار الملك لاستدعاء العروس، فجاءت معها وفي خدمتها الوزير عميد الملك والحشم، فدخلوا داره وشافه الوزير الخليفة عن عمها وسأله اللطف بها والإحسان إليها، فلما دخلت إليه قبلت الأرض مراراً بين يديه، فأدناها إليه وأجلسها إلى جانبه، وأفاض عليها خلعاً سنية وتاجاً من جوهر ثمين، وأعطاها من الغد مائة ثوب ديباجاً وقصبات من ذهب، وطاسة ذهب قد نبت فيها الجوهر والياقوت والفيروزج، وأقطعها في كل سنة من ضياعه ما يغل اثنا عشر ألف دينار وغير ذلك‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/86‏)‏

وفيها‏:‏ أمر السلطان طغرلبك ببناء دار الملك العضدية فخربت محال كثيرة في عمارتها، ونهبت العامة أخشاباً كثيرة من دور الأتراك، والجانب الغربي، وباعوه على الخبازين والطباخين وغيرهم‏.‏

وفيها‏:‏ رجع غلاء شديد على الناس وخوف ونهب كثير ببغداد، ثم أعقب ذلك فناء كثير بحيث دفن كثير من الناس بغير غسل ولا تكفين، وغلت الأشربة وما تحتاج إليه المرضى كثيراً، واعترى الناس موت كثير، واغبر الجو وفسد الهواء‏.‏

قال ابن الجوزي‏:‏ وعم هذا الوباء والغلاء مكة والحجاز وديار بكر والموصل وبلاد بكر وبلاد الروم وخراسان والجبال والدنيا كلها‏.‏

هذا لفظه في ‏(‏المنتظم‏)‏‏.‏

قال‏:‏ وورد كتاب من مصر أن ثلاثة من اللصوص نقبوا بعض الدور فوجدوا عند الصباح موت أحدهم على باب النقب، والثاني على رأس الدرجة، والثالث على الثياب التي كورها ليأخذها فلم يمهل‏.‏

وفيها‏:‏ أمر رئيس الرؤساء بنصب أعلام سود في الكرخ، فانزعج أهلها لذلك، وكان كثير الأذية للرافضة، وإنما كان يدافع عنهم عميد الملك الكندري، وزير طغرلبك‏.‏

وفيها‏:‏ هبت ريح شديدة وارتفعت سحابة ترابية وذلك ضحى، فأظلمت الدنيا، واحتاج الناس في الأسواق وغيرها إلى السرج‏.‏

قال ابن الجوزي‏:‏ وفي العشر الثاني من جمادى الآخرة ظهر وقت السحر كوكب له ذؤابة طولها في رأي العين نحو من عشرة أذرع، وفي عرض نحو الذراع، ولبث كذلك إلى النصف من رجب، ثم اضمحل‏.‏

وذكروا أنه طلع مثله بمصر فملكت وخطب بها للمصريين‏.‏

وكذلك بغداد لما طلع فيها ملكت وخطب بها للمصريين‏.‏

وفيها‏:‏ ألزم الروافض بترك الأذان بحي على خير العمل، وأمروا أن ينادي مؤذنهم في أذان الصبح، بعد حي على الفلاح‏:‏ الصلاة خير من النوم، مرتين، وأزيل ما كان على أبواب المساجد ومساجدهم من كتابة‏:‏ محمد وعلي خير البشر، ودخل المنشدون من باب البصرة إلى باب الكرخ، ينشدون بالقصائد التي فيها مدح الصحابة، وذلك أن نوء الرافضة اضمحل، لأن بني بويه كانوا حكاماً، وكانوا يقوونهم وينصرونهم، فزالوا وبادوا، وذهبت دولتهم‏.‏

وجاء بعدهم قوم آخرون من الأتراك السلوجوقية الذين يحبون أهل السنة ويوالونهم ويرفعون قدرهم، والله المحمود أبداً على طول المدى‏.‏

وأمر رئيس الرؤساء الوالي بقتل أبي عبد الله بن الجلاب شيخ الروافض، لما كان تظاهر به من الرفض والغلو فيه، فقتل على باب دكانه، وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره‏.‏

وفيها‏:‏ جاء البساسيري قبحه الله إلى الموصل ومعه نور الدولة دبيس في جيش كثيف، فاقتتل مع صاحبها قريش ونصره قتلمش بن عم طغرلبك، وهو جد ملوك الروم فهزمهما البساسيري، وأخذ البلد قهراً، فخطب بها للمصريين، وأخرج كاتبه من السجن، وقد كان أظهر الإسلام ظناً منه أنه ينفعه، فلم ينفعه فقتل، وكذلك خطب للمصريين فيها بالكوفة وواسط وغيرها من البلاد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/87‏)‏

وعزم طغرلبك على المسير إلى الموصل لمناجزة البساسيري فنهاه الخليفة عن ذلك لضيق الحال وغلاء الأسعار، فلم يقبل فخرج بجيشه قاصداً الموصل بجحافل عظيمة، ومعه الفيلة والمنجنيقات، وكان جيشه لكثرتهم ينهبون القرى، وربما سطوا على بعض الحريم، فكتب الخليفة إلى السلطان ينهاه عن ذلك، فبعث إليه يعتذر لكثرة من معه، واتفق أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فسلم عليه فأعرض عنه، فقال‏:‏ يا رسول الله لأي شيء تعرض عني ‏؟‏

فقال‏:‏ يحكمك الله في البلاد ثم لا ترفق بخلقه ولا تخاف من جلال الله عز وجل‏.‏

فاستيقظ مذعوراً وأمر وزيره أن ينادي في الجيش بالعدل، وأن لا يظلم أحد أحداً‏.‏

ولما اقترب من الموصل فتح دونها بلاداً، ثم فتحها وسلمها إلى أخيه داود، ثم سار منها إلى بلاد بكر ففتح أماكن كثيرة هناك‏.‏

وفيها‏:‏ ظهرت دولة الملثمين في بلاد المغرب، وأظهروا إعزاز الدين وكلمة الحق، واستولوا على بلاد كثيرة منها سجلماسة وأعمالها والسوس، وقتلوا خلقاً كثيراً من أهلها، وأول ملوك الملثمين رجل يقال له‏:‏ أبو بكر بن عمر، وقد أقام بسجلماسة إلى أن توفي سنة ثنتين وستين كما سيأتي بيانه‏.‏

ثم ولي بعده أبو نصر يوسف بن تاشفين، وتلقب بأمير المؤمنين، وقوي أمره، وعلا قدره ببلاد المغرب‏.‏

وفيها‏:‏ ألزم أهل الذمة بلبس الغيار ببغداد، عن أمر السلطان‏.‏

وفيها‏:‏ ولد لذخيرة الدين بعد موته من جارية له ولداً ذكر، وهو أبو القاسم عبد الله المقتدي بأمر الله‏.‏

وفيها‏:‏ كان الغلاء والفناء أيضاً مستمرين على الناس ببغداد وغيرها من البلاد، على ما كان عليه الأمر في السنة الماضية، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

ولم يحج أحد من أهل العراق فيها‏.‏

 وفيها توفي من الأعيان‏:‏

 علي بن أحمد بن علي بن سلك

أبو الحسن المؤدب، المعروف بالفالي، صاحب ‏(‏الأمالي‏)‏ وفالة قرية قريبة من إيذج، أقام بالبصرة مدة، وسمع بها من عمر بن عبد الواحد الهاشمي وغيره، وقدم بغداد فاستوطنها، وكان ثقة في نفسه، كثير الفضائل‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/88‏)‏

ومن شعره الحسن‏:‏

لما تبدلت المجالس أوجهاً * غير الذين عاهدت من علمائها

ورأيتها محفوفة بسوى الأولى * كانوا ولاة صدورها وفنائها

أنشدت بيتاً سائراً متقدماً * والعين قد شرقت بجاري مائها

أما الخيام فإنها كخيامهم * وأرى نساء الحي غير نسائها

ومن شعره أيضا‏:‏

تصدر للتدريس كل مهوس * بليد تسمى بالفقيه المدرس

فحق لأهل العلم أن يتمثلوا * ببيت قديم شاع في كل مجلس

لقد هزلت حتى بدى من هزالها * كلاها وحتى سامها كل مفلس

 محمد بن عبد الواحد بن محمد الصباغ

الفقيه الشافعي، وليس بصاحب الشامل، ذاك متأخر وهذا من تلاميذ أبي حامد الإسفرايني، كانت له حلقة للفتوى بجامع المدينة، وشهد عند قاضي القضاة الدامغاني الحنفي فقبله، وقد سمع الحديث من ابن شاهين وغيره، وكان ثقة جليل القدر‏.‏

 هلال بن المحسن

ابن إبراهيم بن هلال، أبو الخير الكاتب الصابئ، صاحب ‏(‏التاريخ‏)‏، وجده أبو إسحاق الصابئ صاحب ‏(‏الرسائل‏)‏، وكان أبوه صابئياً أيضاً، أسلم هلال هذا متأخراً، وحسن إسلامه، وقد سمع في حال كفره من جماعة من المشايخ، وذلك أنه كان يتردد إليهم يطلب الأدب، فلما أسلم نفعه ذلك، وكان ذلك سبب إسلامه على ما ذكره ابن الجوزي بسنده مطولاً‏:‏ إنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام مراراً يدعوه إلى الله عز وجل، ويأمره بالدخول في الإسلام، ويقول له‏:‏ أنت رجل عاقل، فلِمَ تدع دين الإسلام الذي قامت عليه الدلائل ‏؟‏

وأراه آيات في المنام شاهدها في اليقظة، فمنها أنه قال له‏:‏ إن امرأتك حامل بولد ذكر، فسمه محمداً، فولدت ذكراً، فسماه محمداً، وكناه أبا الحسن، في أشياء كثيرة سردها ابن الجوزي، فأسلم وحسن إسلامه، وكان صدوقاً‏.‏

توفي عن تسعين سنة، منها في الإسلام نيف وأربعون سنة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/89‏)‏

 ثم دخلت سنة تسع وأربعين وأربعمائة

فيها‏:‏ كان الغلاء والفناء مستمرين ببغداد وغيرها من البلاد، بحيث خلت أكثر الدور وسدت على أهلها أبوابها بما فيها، وأهلها موتى فيها، ثم صار المار في الطريق لا يلقى الواحد بعد الواحد، وأكل الناس الجيف والنتن من قلة الطعام، ووجد مع امرأة فخذ كلب قد اخضر، وشوى رجل صبية في الأتون وأكلها، فقيل‏:‏ وسقط طائر ميت من حائط فاحتوشته خمسة أنفس فاقتسموه وأكلوه‏.‏

وورد كتاب من بخارى أنه مات في يوم واحد منها ومن معاملتها ثمانية عشر ألف إنسان، وأحصي من مات في هذا الوباء من تلك البلاد إلى يوم كتب فيه هذا الكتاب بألف ألف وخمسمائة ألف وخمسين ألف إنسان، والناس يمرون في هذه البلاد فلا يرون إلا أسواقاً فارغة وطرقات خالية، وأبواباً مغلقة، ووحشة وعدم أنس‏.‏

حكاه ابن الجوزي‏.‏

قال‏:‏ وجاء الخبر من أذربيجان وتلك البلاد بالوباء العظيم، وأنه لم يسلم من تلك البلاد إلا العدد اليسير جداً‏.‏

قال‏:‏ ووقع وباء بالأهواز وبواط وأعمالها وغيرها، حتى طبق البلاد، وكان أكثر سبب ذلك الجوع، كان الفقراء يشوون الكلاب وينبشون القبور ويشوون الموتى ويأكلونهم، وليس للناس شغل في الليل والنهار إلا غسل الأموات وتجهيزهم ودفنهم، فكان يحفر الحفير فيدفن فيه العشرون والثلاثون، وكان الإنسان بينما هو جالس إذ انشق قلبه عن دم المهجة، فيخرج منه إلى الفم قطرة فيموت الإنسان من وقته، وتاب الناس وتصدقوا بأكثر أموالهم فلم يجدوا أحداً يقبل منهم، وكان الفقير تعرض عليه الدنانير الكثيرة والدراهم والثياب فيقول‏:‏ أنا أريد كسرة أريد ما يسد جوعي، فلا يجد ذلك‏.‏

وأراق الناس الخمور وكسروا آلات اللهو، ولزموا المساجد للعبادة وقراءة القرآن، وقلّ دار يكون فيها خمر إلا مات أهلها كلهم، ودخل على مريض له سبعة أيام في النزع فأشار بيده إلى مكان فوجدوا فيه خابية من خمر فأراقوها فمات من وقته بسهولة، ومات رجل في مسجد فوجدوا معه خمسين ألف درهم، فعرضت على الناس فلم يقبلها أحد، فتركت في المسجد تسعة أيام لا يريدها أحد، فلما كان بعد ذلك دخل أربعة ليأخذوها فماتوا عليها، فلم يخرج من المسجد منهم أحد حي، بل ماتوا جميعاً‏.‏

وكان الشيخ أبو محمد عبد الجبار بن محمد يشتغل عليه سبعمائة متفقه، فمات وماتوا كلهم، إلا اثني عشر نفراً منهم، ولما اصطلح السلطان دبيس بن علي رجع إلى بلاده فوجدها خراباً لقلة أهلها من الطاعون، فأرسل رسولاً منهم إلى بعض النواحي فتلقاه طائفة فقتلوه وشووه وأكلوه‏.‏

قال ابن الجوزي‏:‏ وفي يوم الأربعاء لسبع بقين من جمادى الآخرة احترقت قطيعة عيسى وسوق الطعام والكنيس، وأصحاب السقط وباب الشعير، وسوق العطارين وسوق العروس والأنماطيين والخشابين والجزارين والتمارين، والقطيعة وسوق مخول ونهر الزجاج وسويقة غالب والصفارين والصباغين وغير ذلك من المواضع، وهذه مصيبة أخرى إلى ما بالناس من الجوع والغلاء والفناء، ضعف الناس حتى طغت النار فعملت أعمالها، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/90‏)‏

وفيها‏:‏ كثر العياريون ببغداد، وأخذوا الأموال جهاراً، وكبسوا الدور ليلاً ونهاراً، وكبست دار أبي جعفر الطوسي متكلم الشيعة، وأحرقت كتبه ومآثره ودفاتره التي كان يستعملها في ضلالته وبدعته، ويدعو إليها أهل ملته ونحلته، ولله الحمد‏.‏

وفيها‏:‏ دخل الملك طغرلبك بغداد عائداً إليها من الموصل فتلقاه الناس والكبراء إلى أثناء الطريق، وأحضر له رئيس الرؤساء خلعة من الخليفة مرصعة بالجوهر فلبسها، وقبل الأرض ثم بعد ذلك دخل دار الخلافة، وقد ركب إليها فرساً من مراكب الخليفة، فلما دخل على الخليفة إذا هو على سرير طوله سبعة أذرع، وعلى كتفه البردة النبوية، وبيده القضيب، فقبل الأرض وجلس على سرير دون سرير الخليفة، ثم قال الخليفة لرئيس الرؤساء‏:‏ قل له‏:‏ أمير المؤمنين حامد لسعيك شاكر لفعلك، آنس بقربك، وقد ولاك جميع ما ولاه الله تعالى من بلاده، فاتق الله فيما ولاك، واجتهد في عمارة البلاد وإصلاح العباد ونشر العدل، وكف الظلم‏.‏

ففسر له عميد الدولة ما قال الخليفة فقام وقبل الأرض وقال‏:‏ أنا خادم أمير المؤمنين وعبده، ومتصرف على أمره ونهيه، ومتشرف بما أهلني له واستخدمني فيه، ومن الله أستمد المعونة والتوفيق‏.‏

ثم أمره الخليفة أن ينهض للبس الخلعة فقام إلى بيت في ذلك البهو، فأفيض عليه سبع خلع وتاج، ثم عاد فجلس على السرير بعد ما قبّل يد الخليفة، ورام تقبيل الأرض، فلم يتمكن من التاج، فأخرج الخليفة سيفاً فقلده إياه وخوطب بملك الشرق والغرب، وأحضرت ثلاثة ألوية فعقد منها الخليفة لواء بيده، وأحضر العهد إلى الملك، وقرئ بين يديه بحضرة الملك وأوصاه الخليفة بتقوى الله والعدل في الرعية، ثم نهض فقبل يد الخليفة ثم وضعها على عينيه‏.‏

ثم خرج في أبهة عظيمة إلى داره وبين يديه الحجاب والجيش بكماله، وجاء الناس للسلام عليه، وأرسل إلى الخليفة بتحف عظيمة منها خمسون ألف دينار، وخمسون غلاماً أتراكاً، بمراكبهم وسلاحهم ومناطقهم، وخمسمائة ثوب أنواعاً، وأعطى رئيس الرؤساء خمسة آلاف دينار، وخمسين قطعة قماش وغير ذلك‏.‏

وفيها‏:‏ قبض صاحب مصر على وزيره أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن البازري، وأخذ خطه بثلاثة آلاف دينار، وأحيط على ثمانين من أصحابه، وقد كان هذا الوزير فقيهاً حنفياً، يحسن إلى أهل العلم وأهل الحرمين، وقد كان الشيخ أبو يوسف القزويني يثني عليه ويمدحه‏.‏ ‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/91‏)‏

 من الأعيان

 أحمد بن عبد الله بن سليمان

ابن محمد بن سليمان بن أحمد بن سليمان بن داود بن المطهر بن زياد بن ربيعة بن الحرث بن ربيعة بن أنور بن أسحم بن أرقم بن النعمان بن عدي بن غطفان بن عمرو بن بريح بن خزيمة بن تيم الله بن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، أبو العلاء المعري، التنوخي الشاعر، المشهور بالزندقة، اللغوي صاحب الدواوين والمصنفات في الشعر واللغة‏.‏

ولد يوم الجمعة عند غروب الشمس لثلاث بقين من ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، وأصابه جدري وله أربع سنين أو سبع، فذهب بصره، وقال الشعر وله إحدى أو ثنتا عشرة سنة، ودخل بغداد سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، فأقام بها سنة وسبعة أشهر، ثم خرج منها طريداً منهزماً لأنه سأل سؤالاً بشعر يدل على قلة دينه وعلمه وعقله فقال‏:‏

تناقض فما لنا إلا السكوت له * وأن نعوذ بمولانا من النار

يد بخمس مئين عسجد وديت * ما بالها قطعت في ربع دينار

وهذا من إفكه يقول‏:‏ اليد ديتها خمسمائة دينار، فما لكم تقطعونها إذا سرقت ربع دينار‏.‏

وهذا من قلة عقله وعلمه، وعمى بصيرته‏.‏

وذلك أنه إذا جنى عليها يناسب أن يكون ديتها كثيرة لينزجر الناس عن العدوان، وأما إذا جنت هي بالسرقة فيناسب أن تقل قيمتها وديتها لينزجر الناس عن أموال الناس وتصان أموالهم، ولهذا قال بعضهم‏:‏ كانت ثمينة لما كانت أمينة، فلما خانت هانت‏.‏

ولما عزم الفقهاء على أخذه بهذا وأمثاله هرب ورجع إلى بلده، ولزم منزله فكان لا يخرج منه‏.‏

وكان يوماً عند الخليفة وكان الخليفة يكره المتنبي ويضع منه، وكان أبو العلاء يحب المتنبي ويرفع من قدره ويمدحه، فجرى ذكر المتنبي في ذلك المجلس فذمه الخليفة، فقال أبو العلاء‏:‏ لو لم يكن للمتنبي إلا قصيدته التي أولها‏:‏

لك يا منازل في القلوب منازل * لكفاه ذلك‏.‏

فغضب الخليفة وأمر به فسحب برجله على وجهه وقال‏:‏ أخرجوا عني هذا الكلب‏.‏

وقال الخليفة‏:‏ أتدرون ما أراد هذا الكلب من هذه القصيدة‏؟‏ وذكره لها ‏؟‏

أراد قول المتنبي فيها‏:‏

وإذا أتتك مذمتي من ناقص * فهي الدليل عليّ أني كامل

وإلا فالمتنبي له قصائد أحسن من هذه، وإنما أراد هذا‏.‏

وهذا من فرط ذكاء الخليفة، حيث تنبه لهذا‏.‏

وقد كان المعري أيضاً من الأذكياء، ومكث المعري خمساً وأربعين سنة من عمره، لا يأكل اللحم ولا اللبن ولا البيض، ولا شيئاً من حيوان، على طريقة البراهمة الفلاسفة، ويقال‏:‏ إنه اجتمع براهب في بعض الصوامع في مجيئه من بعض السواحل آواه الليل عنده، فشككه في دين الإسلام‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/92‏)‏

وكان يتقوت بالنبات وغيره، وأكثر ما كان يأكل العدس ويتحلى بالدبس وبالتين، وكان لا يأكل بحضرة أحد، ويقول‏:‏ أكل الأعمى عورة‏.‏

وكان في غاية الذكاء المفرط، على ما ذكروه، وأما ما ينقلونه عنه من الأشياء المكذوبة المختلفة من أنه وضع تحت سريره درهم فقال‏:‏ إما أن تكون السماء قد انخفضت مقدار درهم أو الأرض قد ارتفعت مقدار درهم، أي‏:‏ أنه شعر بارتفاع سريره عن الأرض مقدار ذلك الدرهم الذي وضع تحته، فهذا لا أصل له‏.‏

وكذلك يذكرون عنه أنه مر في بعض أسفاره بمكان فطأطأ رأسه فقيل له في ذلك، فقال‏:‏ أما هنا شجرة ‏؟‏

قالوا‏:‏ لا، فنظروا فإذا أصل شجرة كانت هناك في الموضع الذي طأطأ رأسه فيه، وقد قطعت، وكان قد اجتاز بها قديماً مرة، فأمره من كان معه بمطأطأة رأسه لمّا جازوا تحتها، فلما مر بها المرة الثانية طأطأ رأسه خوفاً من أن يصيبه شيء منها، فهذا لا يصح‏.‏

وقد كان ذكياً، ولم يكن زكياً، وله مصنفات كثيرة أكثرها في الشعر، وفي بعض أشعاره ما يدل على زندقته، وانحلاله من الدين، ومن الناس من يعتذر عنه ويقول‏:‏ إنه إنما كان يقول ذلك مجوناً ولعباً، ويقول بلسانه ما ليس في قلبه، وقد كان باطنه مسلماً‏.‏

قال ابن عقيل‏:‏ لما بلغه‏:‏ وما الذي ألجأه أن يقول في دار الإسلام ما يكفره به الناس ‏؟‏

قال‏:‏ والمنافقون مع قلة عقلهم وعلمهم أجود سياسة منه، لأنهم حافظوا على قبائحهم في الدنيا وستروها، وهذا أظهر الكفر الذي تسلط عليه به الناس وزندقوه، والله يعلم أن ظاهره كباطنه‏.‏

قال ابن الجوزي‏:‏ وقد رأيت لأبي العلاء المعري كتاباً سماه ‏(‏الفصول والغايات في معارضة السور والآيات‏)‏، على حروف المعجم في آخر كلماته وهو في غاية الركاكة والبرودة، فسبحان من أعمى بصره وبصيرته‏.‏

قال‏:‏ وقد نظرت في كتابه المسمى ‏(‏لزوم ما لا يلزم‏)‏، ثم أورد ابن الجوزي من أشعاره الدالة على استهتاره بدين الإسلام أشياء كثيرة‏.‏

فمن ذلك قوله‏:‏

إذا كان لا يحظى برزقك عاقل * وترزق مجنوناً وترزق أحمقا

فلا ذنب يا رب السماء على امرئ * رأى منك ما لا يشتهي فتزندقا

وقوله‏:‏

ألا إن البرية في ضلال * وقد نظر اللبيب لما اعتراها

تقدم صاحب التوراة موسى * وأوقع في الخسار من افتراها

فقال رجاله وحي أتاه * وقال الناظرون بل افتراها

وما حجي إلى أحجار بيت * كروس الحمر تشرف في ذراها

إذا رجع الحليم إلى حجاه * تهاون بالمذاهب وازدراها

وقوله‏:‏

عفت الحنيفة والنصارى اهتدت * ويهود جارت والمجوس مضلله

اثنان أهل الأرض ذو عقل بلا * دين وآخر ذو دين ولا عقل له

وقوله‏:‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/93‏)‏

فلا تحسب مقال الرسل حقاً * ولكن قول زور سطروه

فكان الناس في عيش رغيد * فجاؤا بالمحال فكدروه

وقلت أنا معارضة عليه‏:‏

فلا تحسب مقال الرسل زوراً * ولكن قول حق بلغوه

وكان الناس في جهل عظيم * فجاؤا بالبيان فأوضحوه

وقوله‏:‏

إن الشرائع ألقت بيننا إحناً * وأورثتنا أفانين العداوات

وهل أبيح نساء الروم عن عرض * للعرب إلا بإحكام النبوات

و قوله‏:‏

وما حمدي لآدم أو بنيه * وأشهد أن كلهم خسيس

وقوله‏:‏

أفيقوا أفيقوا يا غواة فإنما * دياناتكم مكراً من القدما

وقوله‏:‏

صرف الزمان مفرق الألفين * فاحكم إلهي بين ذاك وبيني

نهيت عن قتل النفوس تعمداً * وبعثت تقبضها مع الملكين

وزعمت أن لها معاداً ثانياً * ما كان أغناها عن الحالين

وقوله‏:‏

ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة * وحق لسكان البسيطة أن يبكوا

تحطمنا الأيام حتى كأننا * زجاج ولكن لا يعود له سبك

وقوله‏:‏

أمور تستخف بها حلوم * وما يدري الفتى لمن الثبور

كتاب محمد وكتاب موسى * وإنجيل ابن مريم والزبور

وقوله‏:‏

قالت معاشر لم يبعث إلهكم * إلى البرية عيساها ولا موسى

وإنما جعلوا الرحمن مأكلة * وصيروا دينهم في الناس ناموسا

‏(‏ج/ص‏:‏ 12/94‏)‏

وذكر ابن الجوزي وغيره أشياء كثيرة من شعره تدل على كفره، بل كل واحدة من هذه الأشياء تدل على كفره وزندقته وانحلاله، ويقال‏:‏ إنه أوصى أن يكتب على قبره‏:‏

هذا جناه أبي علي * وما جنيت على أحد

معناه أن أباه بتزوجه لأمه أوقعه في هذه الدار، حتى صار بسبب ذلك إلى ما إليه صار، وهو لم يجن على أحد بهذه الجناية، وهذا كله كفر وإلحاد قبحه الله‏.‏

وقد زعم بعضهم أنه أقلع عن هذا كله وتاب منه، وأنه قال قصيدة يعتذر فيها من ذلك كله، ويتنصل منه، وهي القصيدة التي يقول فيها‏:‏

يا من يرى مد البعوض جناحها * في ظلمة الليل البهيم الأليل

ويرى مناط عروقها في نحرها * والمخ في تلك العظام النحل

امنن علي بتوبة تمحو بها * ما كان مني في الزمان الأول

توفي في ربيع الأول من هذه السنة بمعرة النعمان عن ست وثمانين سنة إلا أربعة عشر يوماً، وقد رثاه جماعة من أصحابه وتلامذته، وأنشدت عند قبره ثمانون مرثاة، حتى قال بعضهم في مرثاه له‏:‏

إن كنت لم ترق الدماء زهادة * فلقد أرقت اليوم من جفني دما

قال ابن الجوزي‏:‏ وهؤلاء الذين رثوه والذين اعتقدوه إما جهال بأمره، وإما ضلال على مذهبه وطريقه‏.‏

وقد رأى بعضهم في النوم رجلاً ضريراً على عاتقه حيتان مدليتان على صدره، رافعتان رؤسهما إليه، وهما ينهشان من لحمه، وهو يستغيث، وقائل يقول‏:‏ هذا المعري الملحد‏.‏

وقد ذكره ابن خلكان فرفع في نسبه على عادته في الشعراء، كما ذكرنا‏.‏

وقد ذكر له من المصنفات كتباً كثيرة، وذكر أن بعضهم وقف على المجلد الأول بعد المائة من كتابه المسمى بـ‏(‏الأيك والغصون‏)‏، وهو المعروف بالهمز والردف، وأنه أخذ العربية عن أبيه واشتغل بحلب على محمد بن عبد الله بن سعد النحوي، وأخذ عنه أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، والخطيب أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي، وذكر أنه مكث خمساً وأربعين سنة لا يأكل اللحم على طريقة الحكماء، وإنه أوصى أن يكتب على قبره‏:‏

هذا جناه أبي علي * وما جنيت على أحد

قال ابن خلكان‏:‏ وهذا أيضاً متعلق باعتقاد الحكماء، فإنهم يقولون اتخاذ الولد وإخراجه إلى هذا الوجود جناية عليه، لأنه يتعرض للحوادث والآفات‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/95‏)‏

قلت‏:‏ وهذا يدل على أنه لم يتغير عن اعتقاده، و هو ما يعتقده الحكماء إلى آخر وقت، وأنه لم يقلع عن ذلك كما ذكره بعضهم، والله أعلم بظواهر الأمور وبواطنها‏.‏

وذكر ابن خلكان‏:‏ أن عينه اليمنى كانت ناتئة وعليها بياض، وعينه اليسرى غائرة، وكان نحيفاً، ثم أورد من أشعاره الجيدة أبياتاً فمنها قوله‏:‏

لا تطلبن بآلة لك رتبة * قلم البليغ بغير جد مغزل

سكن السما كان السماء كلاهما * هذا له رمح وهذا أعزل

 الأستاذ أبو عثمان الصابوني

إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل بن عامر بن عابد النيسابوري، الحافظ الواعظ المفسر، قدم دمشق وهو ذاهب إلى الحج فسمع بها وذكر الناس، وقد ترجمه ابن عساكر ترجمة عظيمة، وأورد له أشياء حسنة من أقواله وشعره، فمن ذلك قوله‏:‏

إذا لم أصب أموالكم ونوالكم * ولم آمل المعروف منكم ولا البرا

وكنتم عبيداً للذي أنا عبده * فمن أجل ماذا أتعب البدن الحرا ‏؟‏

وروى ابن عساكر عن إمام الحرمين أنه قال‏:‏ كنت أتردد وأنا بمكة في المذاهب فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول‏:‏ عليك باعتقاد أبي عثمان الصابوني‏.‏

رحمه الله تعالى‏.‏

 ثم دخلت سنة خمسين وأربعمائة

فيها‏:‏ كانت فتنة الخبيث البساسيري، وهو أرسلان التركي، وذلك أن إبراهيم ينال أخا الملك طغرلبك ترك الموصل الذي كان قد استعمله أخوه عليها، وعدل إلى ناحية بلاد الجبل، فاستدعاه أخوه وخلع عليه وأصلح أمره، ولكن في غضون ذلك ركب البساسيري ومعه قريش بن بدران أمير العرب إلى الموصل فأخذها، وأخرب قلعتها‏.‏

فسار إليه الملك طغرلبك سريعاً فاستردها وهرب منه البساسيري وقريش خوفاً منه، فتبعهما إلى نصيبين، وفارقه أخوه إبراهيم، وعصى عليه، وهرب إلى همذان، وذلك بإشارة البساسيري عليه، فسار الملك طغرلبك وراء أخيه وترك عساكره وراءه فتفرقوا وقل من لحقه منهم، ورجعت زوجته الخاتون ووزيره الكندري إلى بغداد‏.‏

ثم جاء الخبر بأن أخاه قد استظهر عليه، وأن طغرلبك محصور بهمذان، فانزعج الناس لذلك، واضطربت بغداد، وجاء الخبر بأن البساسيري على قصد بغداد، وأنه قد اقترب من الأنبار، فقوي عزم الكندري على الهروب، فأرادت الخاتون أن تقبض عليه فتحول عنها إلى الجانب الغربي، ونهبت داره وقطع الجسر الذي بين الجانبين، وركبت الخاتون في جمهور الجيش، وذهبت إلى همذان لأجل زوجها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/96‏)‏

وسار الكندري ومعه أنوشروان بن تومان وأم الخاتون المذكورة، ومعها بقية الجيش إلى بلاد الأهواز وبقيت بغداد ليس بها أحد من المقاتلة، فعزم الخليفة على الخروج منها، وليته فعل، ثم أحب داره والمقام مع أهله، فمكث فيها اغتراراً ودعة، ولما خلى البلد من المقاتلة قيل للناس‏:‏ من أراد الرحيل من بغداد فليذهب حيث شاء‏.‏

فانزعج الناس وبكى الرجال والنساء والأطفال، وعبر كثير من الناس إلى الجانب الغربي، وبلغت المعبرة ديناراً ودينارين لعدم الجسر‏.‏

قال ابن الجوزي‏:‏ وطار في تلك الليلة على دار الخليفة نحو عشر بومات مجتمعات يصحن صياحاً مزعجاً، وقيل لرئيس الرؤساء‏:‏ المصلحة أن الخليفة يرتحل لعدم المقاتلة، فلم يقبل، وشرعوا في استخدام طائفة من العوام، ودفع إليهم سلاح كثير من دار المملكة‏.‏

فلما كان يوم الأحد الثامن من ذي القعدة من هذه السنة جاء البساسيري إلى بغداد ومعه الرايات البيض المصرية، وعلى رأسه أعلام مكتوب عليها اسم المستنصر بالله أبو تميم معد أمير المؤمنين، فتلقاه أهل الكرخ الرافضة وسألوه أن يجتاز من عندهم، فدخل الكرخ وخرج إلى مشرعة الزاويا، فخيم بها والناس إذ ذاك في مجاعة وضر شديد‏.‏

ونزل قريش بن بدران في نحو من مائتي فارس على مشرعة باب البصرة، وكان البساسيري قد جمع العيارين وأطمعهم في نهب دار الخلافة، ونهب أهل الكرخ دور أهل السنة بباب البصرة‏.‏

ونهبت دار قاضي القضاة الدامغاني، وتملك أكثر السجلات والكتب الحكمية، وبيعت للعطارين، ونهبت دور المتعلقين بخدمة الخليفة، وأعادت الروافض الأذان بحي على خير العمل، وأذن به في سائر نواحي بغداد في الجمعات والجماعات، وخطب ببغداد للخليفة المستنصر العبيدي على منابرها وغيرها، وضربت له السكة على الذهب والفضة، وحوصرت دار الخلافة، فجاحف الوزير أبو القاسم بن المسلمة الملقب برئيس الرؤساء، بمن معه من المستخدمين دونها فلم يفد ذلك شيئاً، فركب الخليفة بالسواد والبردة، وعلى رأسه اللواء وبيده سيف مصلت، وحوله زمرة من العباسيين والجواري حاسرات عن وجوههن، ناشرات شعورهن، معهن المصاحف على رؤس الرماح، وبين يديه الخدم بالسيوف‏.‏

ثم إن الخليفة أخذ ذماماً من أمير العرب قريش ليمنعه وأهله ووزيره ابن المسلمة، فأمنه على ذلك كله، وأنزله في خيمة، فلامه البساسيري على ذلك، وقال‏:‏ قد علمت ما كان وقع الاتفاق عليه بيني وبينك، من أنك لا تبت برأي دوني، ولا أنا دونك، ومهما ملكنا بيني وبينك‏.‏

ثم إن البساسيري أخذ القاسم بن مسلمة فوبخه توبيخاً مفضحاً، ولامه لوماً شديداً، ثم ضربه ضرباً مبرحاً، واعتقله مهاناً عنده، ونهبت العامة دار الخلافة، فلا يحصى ما أخذوا منها من الجواهر والنفائس، والديباج والذهب والفضة، والثياب والأثاث والدواب، وغير ذلك مما لا يحد ولا يوصف‏.‏

ثم اتفق رأي البساسيري وقريش على أن يسيروا الخليفة إلى أمير حديثة عانة، وهو مهارش بن مجلي الندوي وهو من بني عم قريش بن بدران، وكان رجلاً فيه دين وله مروءة‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/97‏)‏

فلما بلغ ذلك الخليفة دخل على قريش أن لا يخرج من بغداد فلم يفد ذلك شيئاً، وسيره مع أصحابهما في هودج إلى حديثة عانة، فكان عند مهارش حولاً كاملاً، وليس معه أحد من أهله، فحكى عن الخليفة أنه قال‏:‏ لما كنت بحديثة عانة قمت ليلة إلى الصلاة فوجدت في قلبي حلاوة المناجاة، ثم دعوت الله عز وجل بما سنح لي، ثم قلت‏:‏ اللهم أعدني إلى وطني، واجمع بيني وبين أهلي وولدي، ويسر اجتماعنا، وأعد روض الأنس زاهراً، وربع القرب عامراً، وفلفل العزا وبرج الجفا‏.‏

قال‏:‏ فسمعت قائلاً على شاطئ الفرات يقول‏:‏ نعم نعم‏.‏

فقلت‏:‏ هذا رجل يخاطب آخر، ثم أخذت في السؤال والابتهال، فسمعت ذلك الصائح يقول‏:‏ إلى الحول إلى الحول‏.‏

فقلت‏:‏ إنه هاتف أنطقه الله بما جرى الأمر عليه، وكان كذلك، خرج من داره في ذي القعدة من هذه السنة، ورجع إليها في ذي القعدة من السنة المقبلة‏.‏

وقد قال الخليفة القائم بأمر الله في مدة مقامه بالحديثة شعراً يذكر فيه حاله فمنه‏:‏

ساءت ظنوني فيمن كنت آمله * ولم يجل ذكر من واليت في خلدي

تعلموا من صروف الدهر كلهم * فما أرى أحداً يحنو على أحد

فما أرى من الأيام إلا موعداً * فمتى أرى ظفري بذاك الموعد

يومي يمر وكلما قضيته * عللت نفسي بالحديث إلى غد

أقبح بنفس تستريح إلى المنى * وعلى مطامعها تروح وتغتدي

وأما البساسيري وما اعتمده في بغداد فإنه ركب يوم عيد الأضحى وألبس الخطباء والمؤذنين البياض، وكذلك أصحابه، وعلى رأسه الألوية المصرية، وخطب للخليفة المصري، والروافض في غاية السرور، والأذان بسائر العراق بحي على خير العمل، وانتقم البساسيري من أعيان أهل بغداد انتقاماً عظيماً، وغرق خلقاً ممن كان يعاديه، وبسط على آخرين الأرزاق ممن كان يحبه ويواليه، وأظهر العدل‏.‏

ولما كان يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ذي الحجة أحضر إلى بين يديه الوزير ابن المسلمة الملقب رئيس الرؤساء، وعليه جبة صوف، وطرطور من لبد أحمر، وفي رقبته مخنقة من جلود كالتعاويذ، فأركب جملاً أحمر وطيف به في البلد، وخلفه من يصفعه بقطعة جلد، وحين اجتاز بالكرخ نثروا عليه خلقان المداسات، وبصقوا في وجهه ولعنوه وسبوه، وأوقف بإزاء دار الخلافة وهو في ذلك يتلو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 26‏]‏‏.‏

ثم لما فرغوا من التطواف به جيء به إلى المعسكر فألبس جلد ثور بقرنيه، وعلق بكلوب في شدقيه، ورفع إلى الخشبة، فجعل يضطرب إلى آخر النهار فمات، رحمه الله‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/98‏)‏

وكان آخر كلامه أن قال‏:‏ الحمد لله الذي أحياني سعيداً، وأماتني شهيداً‏.‏

وفيها‏:‏ وقع برد بأرض العراق أهلك كثيراً من الغلات، وقتل بعض الفلاحين، وزادت دجلة زيادة كثيرة، وزلزلت بغداد في هذه السنة قبل الفتنة بشهر زلزالاً شديداً، فتهدمت دور كثيرة، ووردت الأخبار أن هذه الزلزلة اتصلت بهمذان وواسط، وتكريت، وعانة، وذكر أن الطواحين وقفت من شدتها‏.‏

وفيها‏:‏ كثر النهب ببغداد حتى كانت العمائم تخطف عن الرؤس، وخطفت عمامة الشيخ أبي نصر بن الصباغ، وطيلسانة هو ذاهب إلى صلاة الجمعة‏.‏

وفي أواخر السنة خرج السلطان طغرلبك من همذان فقاتل أخاه وانتصر عليه، ففرح الناس وتباشروا بذلك، ولم يظهروا ذلك خوفاً من البساسيري، واستنجد طغرلبك بأولاد أخيه داود - وكان قد مات - على أخيه إبراهيم فغلبوه وأسروه في أوائل سنة إحدى وخمسين، واجتمعوا على عمهم طغرلبك، فسار بهم نحو العراق، فكان من أمرهم ما سيأتي ذكره في السنة الآتية إن شاء الله‏.‏

 وفيها توفي من الأعيان‏:‏

 الحسن بن محمد أبو عبد الله الوني

الفرضي، وهو شيخ الحربي، وكان شافعي المذهب، قتل في بغداد في فتنة البساسيري، ودفن في يوم الجمعة يوم عرفة منها‏.‏

داود أخو طغرلبك

وكان الأكبر منهم، توفي فيها وقام أولاده مقامه‏.‏

 أبو الطيب الطبري

الفقيه، شيخ الشافعية، طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر، ولد بآمل طبرستان سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة، سمع الحديث بجرجان من أبي أحمد الغطريفي، وبنيسابور من أبي الحسن الماسرجسي، وعليه درس الفقه أيضاً وعلى أبي علي الزجاجي، وأبي القاسم بن كج، ثم اشتغل ببغداد على أبي حامد الإسفرايني، وشرح ‏(‏المختصر‏)‏، و‏(‏فروع ابن الحداد‏)‏‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/99‏)‏

وصنف في الأصول والجدل وغير ذلك من العلوم الكثيرة النافعة، وسمع ببغداد من الدارقطني وغيره، وولي القضاء بربع الكرخ بعد موت أبي عبد الله الصيمري، وكان ثقة ديناً ورعاً، عالماً بأصول الفقه وفروعه، حسن الخلق سليم الصدر مواظباً على تعليم العلم ليلاً ونهاراً‏.‏

وقد ترجمته في ‏(‏طبقات الشافعية‏)‏‏.‏

وحكى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي عنه - وكان شيخه، وقد أجلسه بعده في الحلقة - أن أبا الطيب أسلم خفاً له - وكان متقللاً من الدنيا فقيراً- عند خفاف ليصلحه له، فأبطأ عليه فكان كلما مر عليه أخذه فغمسه في الماء وقال‏:‏ أيها الشيخ الساعة أصلحه‏.‏

فقال الشيخ‏:‏ أسلمته لتصلحه ولم أسلمه لتعلمه السباحة‏.‏

وحكى ابن خلكان‏:‏ أنه كان له ولأخيه عمامة واحدة، وقميص واحد، إذا لبسهما هذا جلس الآخر في البيت لا يخرج منه، وإذا لبسهما هذا احتاج الآخر أن يقعد في البيت ولا يخرج منه، وإذا غسلاهما جلسا في البيت إلى أن ييبسا، وقد قال في ذلك أبو الطيب‏:‏

قوم إذا غسلوا ثياب جمالهم * لبسوا البيوت إلى فراغ الغاسل

وقد توفي في هذه السنة عن مائة سنة وسنتين، وهو صحيح العقل والفهم والأعضاء، يفتي ويشتغل إلى أن مات، وقد ركب مرة سفينة فلما خرج منها قفز قفزة لا يستطيعها الشباب، فقيل له‏:‏ ما هذا يا أبا الطيب ‏؟‏

فقال‏:‏ هذه أعضاء حفظناها في الشبيبة تنفعنا في الكبر، رحمه الله‏.‏

 القاضي الماوردي

صاحب ‏(‏الحاوي الكبير‏)‏، علي بن محمد بن حبيب، أبو الحسن الماوردي البصري، شيخ الشافعية، صاحب التصانيف الكثيرة في الأصول والفروع والتفسير والأحكام السلطانية، وأدب الدنيا والدين‏.‏

قال‏:‏ بسطت الفقه في أربعة آلاف ورقة، يعني‏:‏ الإقناع‏.‏

وقد ولي الحكم في بلاد كثيرة، وكان حليماً وقوراً أديباً، لم ير أصحابه ذراعه يوماً من الدهر من شدة تحرزه وأدبه، وقد استقصيت ترجمته في ‏(‏الطبقات‏)‏، توفي عن ست وثمانين سنة، ودفن بباب حرب‏.‏

 رئيس الرؤساء أبو القاسم بن المسلمة

علي بن الحسن بن أحمد بن محمد بن عمر، وزير القائم بأمر الله، كان أولاً قد سمع الحديث من أبي أحمد الفرضي وغيره، ثم صار أحد المعدلين، ثم استكتبه القائم بأمر الله واستوزره، ولقبه رئيس الرؤساء، شرف الوزراء، جمال الوزراء، كان متضلعاً بعلوم كثيرة مع سداد رأي، ووفور عقل، وقد مكث في الوزارة ثنتي عشرة سنة وشهراً، ثم قتله البساسيري بعد ما شهره كما تقدم، وله من العمر ثنتان وخمسون سنة وخمسة أشهر‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/100‏)‏

 منصور بن الحسين

أبو الفوارس الأسدي، صاحب الجزيرة، توفي فيها وأقاموا ولده بعده‏.‏

 ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وأربعمائة

استهلت هذه السنة وبغداد في حكم البساسيري، يخطب فيها لصاحب مصر الفاطمي، والخليفة العباسي بحديثة عانة، ثم لما كان يوم الاثنين ثاني عشر صفر أحضر القضاة أبا عبد الله الدامغاني وجماعة من الوجوه والأعيان والأشراف، وأخذ عليهم البيعة لصاحب مصر المستنصر الفاطمي، ثم دخل دار الخلافة وهؤلاء المذكورون معه وأمر بنقض تاج دار الخلافة، فنقض بعض الشراريف، ثم قيل له‏:‏ إن القبح في هذا أكثر من المصلحة‏.‏

فتركه، ثم ركب إلى زيارة المشهد بالكوفة، وعزم على عبور نهر جعفر ليسوق إلى الحائر لوفاء نذر كان عليه، وأمر بأن تنقل جثة ابن مسلمة إلى ما يقارب الحريم الظاهري، وأن تنصب على دجلة‏.‏

وكتبت إليه أم الخليفة - وكانت عجوزاً كبيرة قد بلغت التسعين وهي مختفية في مكان - تشكو إليه الحاجة والفقر وضيق الحال، فأرسل إليها من نقلها إلى الحريم، وأخدمها جاريتين، ورتب لها كل يوم اثني عشر رطلاً من خبز، وأربعة أرطال من لحم‏.‏

 فصل ‏(‏كتابة السلطان طغرلبك كتاباً إلى قريش بن بدران بإعادة الخليفة لوطنه‏)‏‏.‏

ولما خلص السلطان طغرلبك من حصره بهمذان وأسر أخاه إبراهيم وقتله، وتمكن في أمره، وطابت نفسه، ولم يبق له في تلك البلاد منازع، كتب إلى قريش بن بدران يأمره بأن يعيد الخليفة إلى وطنه، وداره وتوعده على أنه إن لم يفعل ذلك وإلا أحل به بأساً شديداً، فكتب إليه قريش يتلطف به ويدخل عليه، ويقول‏:‏ أنا معك على البساسيري بكل ما أقدر عليه، حتى يمكنك الله منه، ولكن أخشى أن أتسرع في أمر يكون فيه على الخليفة مفسدة، أو تبدر إليه بادرة سوء يكون عليّ عارها، ولكن سأعمل على ما أمرتني به بكل ما يمكنني‏.‏

وأمر برد امرأة الخليفة خاتون إلى دارها وقرارها، ثم إنه راسل البساسيري بعود الخليفة إلى داره، وخوفه من جهة الملك طغرلبك، وقال له فيما قال‏:‏ إنك دعوتنا إلى طاعة المستنصر الفاطمي، وبيننا وبينه ستمائة فرسخ، ولم يأتنا رسول ولا أحد من عنده، ولم يفكر في شيء مما أرسلنا إليه وهذا الملك من ورائنا بالمرصاد، قريب منا، وقد جاءني منه كتاب عنوانه‏:‏

إلى الأمير الجليل علم الدين أبي المعالي قريش بن بدران، مولى أمير المؤمنين، من شاهنشاه المعظم ملك المشرق والمغرب طغرلبك، أبي طالب محمد بن ميكائيل بن سلجوق، وعلى رأس الكتاب العلامة السلطانية بخط السلطان‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/101‏)‏

حسبي الله ونعم الوكيل‏.‏

وكان في الكتاب‏:‏ والآن قد سرت بنا المقادير إلى هلاك كل عدو في الدين، ولم يبق علينا من المهمات إلا خدمة سيدنا ومولانا القائم بأمر الله أمير المؤمنين، وإطلاع أبهة إمامته على سرير عزه، فإن الذي يلزمنا ذلك، ولا فسحة في التقصير فيه ساعة من الزمان، وقد أقبلنا بجنود المشرق وخيولها إلى هذا المهم العظيم، ونريد من الأمير الجليل علم الدين إبانة النجح الذي وفق له وتفرد به، وهو أن يتم وفاءه من إقامته وخدمته، في باب سيدنا ومولانا أمير المؤمنين، إما أن يأتي به مكرماً في عزه وإمامته إلى موقف خلافته من مدينة السلام، ويتمثل بين يديه متولياً أمره ومنفذاً حكمه، وشاهراً سيفه وقلمه، وذلك المراد، وهو خليفتنا وتلك الخدمة بعض ما يجيب له، ونحن نوليك العراق بأسرها ونصفي لك مشارع برها وبحرها، لا يطؤها حافر خيل من خيول العجم شبراً من أراضي تلك المملكة، إلا ملتمساً لمعاونتك ومظاهرتك، وإما أن تحافظ على شخصه الغالي بتحويله من القلعة إلى حين نحظى بخدمته، فليمتثل ذلك ويكون الأمير الجليل مخيراً بين أن يلقانا أو يقيم حيث يشاء فنوليه العراق كلها، ونستخلفه في الخدمة الإمامية، ونصرف أعيننا إلى الممالك الشرقية، فهمتنا لا تقتضي إلا هذا‏.‏

فعند ذلك كتب قريش إلى مهاوش بن مجلي الذي عنده الخليفة يقول له‏:‏ إن المصلحة تقتضي تسليم الخليفة إليّ، حتى آخذ لي ولك به أماناً‏.‏

فامتنع عليه مهاوش وقال‏:‏ قد غرني البساسيري ووعدني بأشياء لم أرها، ولست بمرسله إليك أبداً، وله في عنقي أيمان كثيرة لا أغدرها‏.‏

وكان مهارش هذا رجلاً صالحاً، فقال للخليفة‏:‏ إن المصلحة تقتضي أن نسير إلى بلد بدر بن مهلهل، وننظر ما يكون من أمر السلطان طغرلبك، فإن ظهر دخلنا بغداد، وإن كانت الأخرى نظرنا لأنفسنا، فإني أخشى من البساسيري أن يأتينا فيحضرنا‏.‏

فقال له الخليفة‏:‏ افعل ما فيه المصلحة‏.‏

فسارا في الحادي عشر من ذي القعدة إلى أن حصلا بقلعة تل عكبرا، فتلقته رسل السلطان طغرلبك بالهدايا التي كان أنفذها، وجاءت الأخبار بأن السلطان طغرلبك قد دخل بغداد، وكان يوماً مشهوداً، غير أن الجيش نهبوا البلد غير دار الخليفة، وصودر خلق كثير من التجار، وأخذت منهم أموال كثيرة، وشرعوا في عمارة دار الملك، وأرسل السلطان إلى الخليفة مراكب كثيرة من أنواع الخيول وغيرها، وسرادق وملابس، وما يليق بالخليفة في السفر، أرسل ذلك مع الوزير عميد الملك الكندري‏.‏

ولما انتهوا إلى الخليفة أرسلوا بتلك الآلات إليه قبل أن يصلوا إليه، وقالوا‏:‏ اضربوا السرادق وليلبس الخليفة ما يليق به، ثم نجيء نحن ونستأذن عليه فلا يأذن لنا إلا بعد ساعة طويلة‏.‏

فلما فعلوا ذلك دخل الوزير ومن معه فقبّلوا الأرض بين يديه، وأخبروه بسرور السلطان بسلامته، وبما حصل من العود إلى بغداد، وكتب عميد الملك كتاباً إلى السلطان يعلمه بصفة ما جرى، وأحب أن يضع الخليفة علامته في أعلا الكتاب ليكون أقر لعين السلطان، وأحضر الوزير دواته ومعها سيف الدولة وقال‏:‏ هذه خدمة السيف والقلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/102‏)‏

فأعجب الخليفة ذلك، وترحلوا من منزلهم ذلك بعد يومين‏.‏

فلما وصلوا النهروان خرج السلطان لتلقي الخليفة، فلما وصل السلطان إلى سرادق الخليفة قبل الأرض سبع مرات بين يدي الخليفة، فأخذ الخليفة مخدة فوضعها بين يديه فأخذها الملك فقبّلها، ثم جلس عليها كما أشار الخليفة، وقدم الخليفة الحبل الياقوت الأحمر الذي كان لبني بويه، فوضعه بين يديه، وأخرج اثنتي عشرة حبة من لؤلؤ كبار، وقال أرسلان خاتون - يعني زوجة الملك - تخدم الخليفة، وسأله أن يسبح بهذه المسبحة، وجعل يعتذر من تأخره عن الحضرة بسبب عصيان أخيه فقتله، واتفق موت أخي الأكبر أيضاً، فاشتغلت بترتيب أولاده من بعده، وأنا شاكر لمهارش بما كان منه من خدمة أمير المؤمنين، وأنا ذاهب إن شاء الله خلف الكلب البساسيري، فأقتله إن شاء الله، ثم أدخل الشام وأفعل بصاحب مصر ما ينبغي أن يجازى به من سوء المقابلة‏.‏

فدعا له الخليفة، وأعطى الخليفة للملك سيفاً كان معه، لم يبق معه من أمور الخلافة سواه، واستأذن الملك لبقية الجيش أن يخدموا الخليفة، فرفعت الأستار عن جوانب الحركات، فلما شاهد الأتراك الخليفة قبّلوا الأرض، ثم دخلوا بغداد يوم الاثنين لخمس بقين من ذي القعدة، وكان يوماً مشهوداً، الجيش كله معه والقضاة والأعيان والسلطان آخذ بلجام بغلته، إلى أن وصل باب الحجرة، ثم إنه لما وصل الخليفة إلى دار مملكته استأذنه السلطان في الذهاب وراء البساسيري، فأرسل جيشاً من ناحية الكوفة ليمنعوه من الدخول إلى الشام، وخرج هو والناس في التاسع والعشرين من الشهر‏.‏

وأما البساسيري فإنه مقيم بواسط في جمع غلات وأمور يهيئها لقتال السلطان، وعنده أن الملك طغرلبك ومن عنده ليسوا بشيء يخاف منه، وذلك لما يريده الله تعالى من إهلاكه إن شاء الله‏.‏

 مقتل البساسيري على يدي السلطان طغرلبك

لما سار السلطان وراءه وصلت السرية الأولى فلقوه بأرض واسط ومعه ابن مزيد، فاقتتلوا هنالك وانهزم أصحابه عنه، ونجا البساسيري بنفسه على فرس، فتبعه بعض الغلمان فرمي فرسه بنشابة فألقته إلى الأرض، فجاء الغلام فضربه على وجهه ولم يعرفه، وأسره واحد منهم يقال له‏:‏ كمسكين، فحز رأسه وحمله إلى السلطان، وأخذت الأتراك من جيش البساسيري من الأموال ما عجزوا عن حمله، ولما وصل الرأس إلى السلطان أمر أن يذهب به إلى بغداد، وأن يرفع على رمح، وأن يطاف به في المحال، وأن يطوف معه الدبادب والبوقات والنفاطون، وأن يخرج الناس والنساء للفرجة عليه، ففعل ذلك‏.‏

ثم نصب على الطيارة تجاه دار الخليفة، وقد كان مع البساسيري خلق من البغاددة خرجوا معه، ظانين أنه سيعود إلى بغداد، فهلكوا ونهبت أموالهم، ولم ينج من أصحابه إلا القليل، وفر ابن مزيد في ناس قليل إلى البطيحة، ومنه أولاد البساسيري وأمهم، وقد سلبتهم الأعراب فلم يتركوا لهم شيئاً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/103‏)‏

ثم استؤمن لابن مزيد من السلطان ودخل معه بغداد، وقد نهبت العساكر ما بين واسط والبصرة والأهواز، وذلك لكثرة الجيش وانتشاره وكثافته‏.‏

وأما الخليفة فإنه حين عاد إلى دار الخلافة جعل لله عليه أن لا ينام على وطاء ولا يأتيه أحد بطعام إذا كان صائماً، ولا يخدمه في وضوئه وغسله أحد، بل يتولى ذلك كله بنفسه لنفسه، وعاهد الله أن لا يؤذي أحداً ممن آذاه، وأن يصفح عن من ظلمه، وقال‏:‏ ما عاقبت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه‏.‏

وفيها‏:‏ تولى الملك ألب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن سلجوق بلاد حران بعد وفاة أبيه، بتقرير عمه طغرلبك، وكان له من الأخوة سليمان وقاروت بك، وياقوتي، فتزوج طغرلبك بأم سليمان‏.‏

وفيها‏:‏ كان بمكة رخص لم يسمع بمثله، بيع التمر والبر كل مائتي رطل بدينار‏.‏

ولم يحج أحد من أهل العراق فيها‏.‏

 ترجمة أرسلان أبو الحارس البساسيري التركي

كان من مماليك بهاء الدولة، وكان أولاً مملوكاً لرجل من أهل مدينة بسا، فنسب إليه فقيل له‏:‏ البساسيري، وتلقب بالملك المظفر، ثم كان مقدماً كبيراً عند الخليفة القائم بأمر الله، لا يقطع أمراً دونه، وخطب له على منابر العراق كلها، ثم طغى وبغى وتمرد، وعتا وخرج على الخليفة والمسلمين ودعا إلى الخلافة الفاطميين، ثم انقضى أجله في هذه السنة، وكان دخوله إلى بغداد بأهله في سادس ذي القعدة من سنة خمسين وأربعمائة، ثم اتفق خروجهم منها في سادس ذي القعدة أيضاً من سنة إحدى وخمسين، بعد سنة كاملة‏.‏

ثم كان خروج الخليفة من بغداد في يوم الثلاثاء الثاني عشر من كانون الأول، واتفق قتل البساسيرى في يوم الثلاثاء الثامن عشر من كانون الأول، بعد سنة شمسية، وذلك في ذي الحجة منها‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/104‏)‏

الحسن بن الفضل

أبو علي الشرمقاني المؤدب المقري الحافظ للقرآن والقراءات، واختلافها، كان ضيق الحال فرآه شيخه ابن العلاف ذات يوم وهو يأخذ أوراق الخس من دجلة ويأكلها، فأعلم ابن المسلمة بحاله، فأرسل ابن المسلمة غلاماً له وأمره أن يذهب إلى الخزانة التي له بمسجده فيتخذ لها مفتاحاً غير مفتاحه، ثم كان كل يوم يضع فيها ثلاثة أرطال من خبز السميد، ودجاجة، وحلاوة السكر، فظن أبو علي الشرمقاني أن ذلك كرامة أكرمه الله بها، وأن هذا الطعام الذي يجده في خزانته من الجنة، فكتمه زماناً وجعل ينشد‏:‏

من أطلعوه على سر فباح به * لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا

وأبعدوه فلم يظفر بقربهم * وأبدلوه فكان الأنس إيحاشا

فلما كان بعض الأيام ذاكره ابن العلاف في أمره، وقال له، فيما قال‏:‏ أراك قد سمنت فما هذا الأمر، وأنت رجل فقير ‏؟‏

فجعل يلوح ولا يصرح، ويكني ولا يفصح، ثم ألح عليه فأخبره أنه يجد كل يوم في خزانته من طعام الجنة ما يكفيه، وأن هذا كرامة أكرمه الله بها، فقال له‏:‏ ادع لابن المسلمة فإنه الذي يفعل ذلك، وشرح له صورة الحال، فكسره ذلك ولم يعجبه‏.‏

علي بن محمود بن إبراهيم بن ماجره

أبو الحسن الزوزني، شيخ الصوفية، و إليه ينسب الرباط الزوزني، وقد كان بنى لأبي الحسن شيخه، وقد صحب أبا عبد الرحمن السلمي، وقال‏:‏ صحبت ألف شيخ، وأحفظ عن كل شيخ حكاية‏.‏

توفي في رمضان عن خمس وثمانين سنة‏.‏

محمد بن علي

ابن الفتح بن محمد بن علي بن أبي طالب الحربي، المعروف بالعشاري، لطول جسده، وقد سمع الدارقطني وغيره، وكان ثقة ديناً صالحاً، توفي في جمادى الأولى منها، وقد نيف على الثمانين‏.‏

الوني الفرضي

الحسين بن محمد بن عبد الله أبو عبد الله الوني، نسبة إلى ونّ قرية من أعمال جهستان، الفرضي شيخ الحربي، وهو أبو حكيم عبد الله بن إبراهيم، كان الونّي إماماً في الحساب والفرائض، وانتفع الناس به، توفي فيها ببغداد شهيداً في فتنة البساسيري والله أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 12/105‏)‏